ما لا يُقال عن أخلاقيات الهندسة السريرية عندما تتحول المخالفة الإدارية إلى خطر على سلامة المريض

الكاتبم. خالد زيادة
تاريخ النشر2026-05-09
آخر تحديث2026-09-23

يعمل المهندس السريري داخل واحدة من أكثر البيئات حساسية وتعقيدًا داخل المستشفى. فهو لا يتعامل فقط مع أجهزة ومعدات، بل مع منظومة ترتبط مباشرة بسلامة المرضى، واستمرارية الخدمة الطبية، والمال العام، وجودة الرعاية الصحية. ولهذا فإن أي انحراف أخلاقي — حتى وإن بدا “إدارياً بسيطاً” — قد يتحول إلى خطر تشغيلي أو سريري حقيقي. هذه الممارسات ليست افتراضات نظرية، بل ملفات موثقة ظهرت بدرجات متفاوتة في مؤسسات صحية حول العالم، خصوصًا في البيئات التي تضع المؤشرات التشغيلية فوق الجودة الفعلية، أو التي تعاني ضعف الرقابة والحوكمة.

يعمل المهندس السريري داخل واحدة من أكثر البيئات حساسية وتعقيدًا داخل المستشفى. فهو لا يتعامل فقط مع أجهزة ومعدات، بل مع منظومة ترتبط مباشرة بسلامة المرضى، واستمرارية الخدمة الطبية، والمال العام، وجودة الرعاية الصحية.

ولهذا فإن أي انحراف أخلاقي — حتى وإن بدا “إدارياً بسيطاً” — قد يتحول إلى خطر تشغيلي أو سريري حقيقي.

هذه الممارسات ليست افتراضات نظرية، بل ملفات موثقة ظهرت بدرجات متفاوتة في مؤسسات صحية حول العالم، خصوصًا في البيئات التي تضع المؤشرات التشغيلية فوق الجودة الفعلية، أو التي تعاني ضعف الرقابة والحوكمة.

يمكن تصنيف أبرز هذه الممارسات في خمسة محاور رئيسية:


أولاً: التلاعب في أوامر العمل والصيانة

يُعد هذا المحور من أكثر الممارسات انتشارًا وصعوبة في الاكتشاف، لأنه يحدث غالبًا داخل الأنظمة التشغيلية نفسها.

ومن أبرز صوره:

  • إغلاق أوامر العمل دون تنفيذ فعلي للصيانة
  • تسجيل تنفيذ الصيانة الوقائية دون إجراء الزيارة الميدانية فعليًا.
  • تنفيذ جزء من بنود الصيانة الوقائية والتوقيع على القائمة كاملة
  • نقل نتائج معايرة قديمة إلى فترة جديدة دون إجراء الاختبار
  • إغلاق البلاغات مبكرًا لتحسين مؤشرات الأداء
  • إعادة الجهاز للخدمة قبل معالجة السبب الجذري للعطل

وتكمن خطورة هذه الممارسات في أنها تخلق صورة تشغيلية وهمية توحي بأن الأجهزة تعمل بكفاءة، بينما الواقع مختلف تمامًا.


ثانياً: الفساد في العلاقات مع الموردين والمقاولين

يمتلك المهندس السريري تأثيرًا مباشرًا على قرارات الشراء والتقييم الفني والعقود، مما يجعله عرضة لتضارب المصالح أو الممارسات غير المهنية مع الموردين.

ومن أبرز هذه الممارسات:

  • قبول الرشاوى أو الهدايا المؤثرة مقابل ترجيح مورد معين
  • التلاعب في المواصفات الفنية بحيث لا تنطبق إلا على شركة محددة
  • تسريب معلومات العروض التنافسية قبل إغلاق المناقصات
  • التغاضي عن تقصير المقاول مقابل منفعة شخصية
  • تمرير قطع غيار أو ملحقات أقل من المواصفات
  • اعتماد فواتير مضخمة أو أعمال غير منفذة بالكامل
  • قبول أجهزة أو قطع غيار مُجددة على أنها جديدة

وهنا تتحول القرارات الفنية من: “ما الأفضل للمستشفى؟” إلى: “ما الأفضل للعلاقة التجارية أو المنفعة الشخصية”.


ثالثاً: التلاعب في إدارة الأصول والمخزون

إدارة الأصول الطبية تمنح صلاحيات حساسة تتعلق بالمخزون، وقطع الغيار، والتكهين، ونقل الأجهزة.

ومن الممارسات التي قد تحدث:

  • اختلاس قطع غيار واستخدامها خارج المستشفى
  • تسجيل قطعة على جهاز بينما تم تركيبها في مكان آخر
  • تضخيم طلبات قطع الغيار لتحقيق فائض غير مبرر
  • إخفاء أجهزة أو ملحقات مستردة من الأقسام
  • شطب أجهزة ما زالت تعمل بصورة مقبولة لتحقيق مكاسب غير مباشرة
  • الاحتفاظ بأجهزة خارج النظام الرسمي للمستشفى

هذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى خسائر مالية، بل تضعف دقة بيانات الأصول، وتؤثر على قرارات التخطيط والإحلال المستقبلية.


رابعاً: التلاعب في التقارير الفنية وبيانات السلامة

في البيئة الصحية، تعتمد قرارات كثيرة على التقارير الفنية الصادرة من قسم الهندسة السريرية.

ولهذا فإن أي تلاعب في هذه البيانات يمثل خطراً بالغ الحساسية.

ومن الأمثلة:

  • تحريف نتائج اختبارات السلامة الكهربائية
  • تسجيل قيم ضمن النطاق المقبول رغم أن القيم الحقيقية خارجه
  • إخفاء الحوادث المرتبطة بالأجهزة أو عدم التبليغ عنها
  • تجاهل الإبلاغ عن الحوادث الوشيكة لتفادي المساءلة.
  • تمديد العمر التشغيلي لأجهزة عالية الخطورة دون تقييم حقيقي للمخاطر
  • تسجيل سجلات تدريب أو شهادات حضور غير مطابقة للواقع
  • نسخ تقارير أو نتائج اختبارات من فترات سابقة

المشكلة هنا أن المؤسسة قد تتخذ قرارات تشغيلية كاملة بناءً على بيانات غير صحيحة.

وفي بعض الحالات قد يستمر جهاز غير آمن في خدمة المرضى فقط لأن التقرير يقول إنه “ضمن الحدود”.


خامساً: تضارب المصالح واحتكار المعرفة

من أخطر الجوانب الأخلاقية في المجال تلك التي لا تكون واضحة بشكل مباشر.

مثل:

  • العمل مع مورد أو تقديم استشارات له بالتوازي مع العمل داخل المستشفى
  • التوصية بعقود أو حلول مرتبطة بمصالح شخصية
  • توجيه قرارات الشراء نحو تقنيات يحتكر الشخص معرفتها
  • الامتناع عن نقل المعرفة للفريق
  • احتكار كلمات المرور أو المعلومات الفنية لضمان عدم الاستغناء عنه
  • تعطيل بناء الكفاءات داخل القسم للحفاظ على النفوذ الشخصي

هذه الممارسات قد لا تبدو “فساداً مباشراً”، لكنها تخلق بيئة تشغيلية هشة تعتمد على الأفراد لا على النظام المؤسسي.


لماذا تُعد هذه الممارسات أكثر خطورة في القطاع الصحي؟

الفرق الجوهري بين الفساد في بيئة صناعية والفساد داخل المستشفى هو أن المتضرر النهائي هنا ليس مجرد مشروع أو ميزانية…

بل مريض.

جهاز تنفس أُغلق بلاغه دون إصلاح فعلي، أو جهاز تخدير لم تُعايَر صماماته بدقة، أو مضخة حقن تعمل خارج حدود السلامة المقبولة…

كلها قد تتحول من “مخالفة إدارية” إلى حادث سريري مباشر.

ولهذا فإن أخلاقيات المهندس السريري ليست مجرد سلوك مهني أو التزام وظيفي تقليدي، بل جزء أساسي من منظومة:

  • سلامة المرضى
  • إدارة المخاطر
  • الجودة
  • الحوكمة
  • وثقة المؤسسة الصحية بالكامل.


المشكلة الأخطر: تطبيع السلوك الخاطئ

غالبًا لا تبدأ الانهيارات المهنية الكبرى بفساد ضخم وواضح، بل تبدأ بجمل صغيرة مثل:

  • “أقفل البلاغ مؤقتًا”
  • “كل الناس تعمل كده”
  • “المهم المؤشر”
  • “عدّي الموضوع”
  • “مافي شخص حيلاحظ”

ومع الوقت تتحول الممارسة الاستثنائية إلى ثقافة تشغيلية كاملة.

وهنا يصبح الخطر الحقيقي ليس في الخطأ الفردي فقط… بل في اعتياد المؤسسة عليه.


الخلاصة

وفي كثير من الأدبيات الغربية يُشار إلى هذه المبادئ تحت مسمى أخلاقيات المهنة، لكن في ديننا وثقافتنا، المفهوم أعمق من مجرد التزام وظيفي أو لائحة تنظيمية.

فنحن لا نتحدث فقط عن الالتزام بالسياسات والإجراءات، بل عن الأمانة، وحسن الخلق، وإتقان العمل، وعدم خيانة المسؤولية.

وقد حثنا ديننا على حفظ الأمانات، والابتعاد عن الغش والرشوة والتلاعب، وعدم الاقتراب من المال الحرام، لأن أثر هذه الممارسات لا يتوقف عند حدود المخالفة الإدارية فقط، بل قد يمتد إلى الإضرار بالمريض وتعريض حياته للخطر.

ولهذا فإن أخلاقيات المهندس السريري ليست مجرد “Professional Conduct”، بل مسؤولية أخلاقية ودينية وإنسانية ترتبط بشكل مباشر بسلامة المرضى والثقة في المنظومة الصحية بالكامل.

محتوى ذو صلة

← العودة إلى المقالات