حين نهتم بسلامة المرضى… وننسى سلامتنا نحن
في عملي، صادفت حالات — وسمعت عن أخرى — لمهندسين طبيين تعرضوا لعدوى نتيجة التعامل مع أجهزة ملوثة دون احتياطات كافية، أو تعرضوا لجرعات إشعاعية بسبب التهاون في إجراءات السلامة، بما في ذلك إهمال ارتداء أجهزة قياس الجرعات الإشعاعية التراكمية. هذه ليست قصصًا نادرة أو مبالغ فيها… بل واقع يحدث بصمت داخل بيئة يفترض أنها الأكثر وعيًا بالسلامة.
نحن كمهندسين طبيين نولي اهتمامًا كبيرًا بسلامة المرضى، ونعمل على ضمان أن الأجهزة الطبية تعمل بأمان وكفاءة. لكن في كثير من الأحيان، يتم إغفال جانب مهم… وهو سلامة المهندس نفسه. فكثيرًا ما يتم فحص أو صيانة الأجهزة بسرعة قبل تعقيمها، أو دون استخدام وسائل الحماية مثل القفازات والكمامات والملابس الواقية، مع التقليل من احتمالية التعرض للعدوى أو المخاطر المهنية.
الحقيقة التي لا يتم الحديث عنها كثيرًا: الأجهزة الطبية لا تمثل فقط وسيلة علاج… بل قد تكون بحد ذاتها مصدر خطر إذا لم يتم التعامل معها ضمن إطار السلامة المهنية.
يمكن تصنيف المخاطر المهنية التي يتعرض لها المهندس الطبي إلى أربعة أنواع رئيسية: مخاطر بيولوجية، فيزيائية (مثل الإشعاع)، كهربائية وميكانيكية، وكيميائية.
أولاً: مخاطر العدوى من الأجهزة الطبية
بعض الأجهزة الطبية تتعامل مباشرة مع دم المرضى أو سوائل الجسم، مما يجعلها مصدرًا محتملًا لنقل العدوى إذا لم يتم التعامل معها بحذر، وتُعد هذه المخاطر من أكثر أنواع المخاطر المهنية انتشارًا وشيوعًا بين المهندسين الطبيين.
من أبرز الأمثلة:
- أجهزة المختبر مثل أجهزة تحليل الدم والطرد المركزي وفحص الفيروسات، والتي قد تحتوي على بقايا عينات بيولوجية. التعامل معها دون تنظيف أو تعقيم قد يعرّض المهندس لأمراض مثل التهاب الكبد B و C أو فيروس نقص المناعة.
- قبضات الأسنان التي تتعرض باستمرار للدم واللعاب والرذاذ الناتج عن الحفر، وقد تُرسل للصيانة قبل تعقيمها بشكل كامل، وقد يقوم المهندس بفكها أو اختبارها دون ارتداء قفازات، مما يعرّضه لمخاطر العدوى.
- أجهزة الغسيل الكلوي التي تتعامل مع دم المرضى لفترات طويلة، وأي تسرب دم أو خط غير مغلق أثناء الصيانة قد يعرّض المهندس لخطر العدوى، خاصة مع وجود أجهزة مخصصة لمرضى التهاب الكبد الوبائي، مما يزيد من مستوى الخطورة في حال عدم الالتزام بإجراءات الوقاية.
- أجهزة الشفط الجراحي التي تحتوي في كثير من الأحيان على سوائل ودم تم شفطه أثناء العمليات الجراحية. فتح الجهاز أو التعامل مع العبوات والأنابيب دون احتياطات كافية قد يؤدي إلى ملامسة سوائل ملوثة أو استنشاق رذاذ منها.
وفي هذا السياق، من الضروري وجود سياسة واضحة وملزمة تقضي بعدم استلام أي جهاز ملوث قبل تعقيمه بشكل كامل من قبل القسم المستخدم، مع توثيق ذلك رسميًا. فهذه الممارسة لا تحمي المهندس فقط، بل تعزز ثقافة السلامة داخل المنشأة وتحد من نقل المخاطر بين الأقسام.
ثانيًا: مخاطر التعرض الإشعاعي
المهندسون الذين يعملون مع أجهزة مثل الأشعة السينية، الأشعة المقطعية، أجهزة القسطرة، وأجهزة الطب النووي قد يتعرضون للإشعاع أثناء الاختبارات أو المعايرة. التعرض الإشعاعي المتكرر، حتى لو كان بجرعات صغيرة، قد يسبب آثارًا صحية على المدى الطويل.
وتزداد الخطورة عندما:
- يدخل المهندس غرفة الأشعة أثناء التشغيل
- يقف قريبًا من مصدر الإشعاع
- دون استخدام وسائل الحماية
لذلك من الضروري الالتزام بإجراءات السلامة مثل:
- ارتداء الدرع الرصاصي (Lead Apron)
- استخدام مقياس الجرعة الإشعاعية (Dosimeter) لمراقبة التعرض للإشعاع
- تقليل زمن التواجد بالقرب من مصدر الإشعاع
ثالثًا: المخاطر الكهربائية والميكانيكية
هل تتوقف المخاطر عند العدوى أو الإشعاع فقط؟ بالطبع لا.
توجد مخاطر كهربائية حقيقية قد يواجهها المهندس أثناء الصيانة أو الاختبار، خاصة عند التعامل مع أجهزة ذات جهد عالٍ مثل أجهزة الأشعة أو أجهزة العلاج الطبيعي أو بعض أنظمة المختبر. العمل على جهاز دون فصل التيار، أو وجود تسريب كهربائي غير ملحوظ، قد يؤدي إلى صعق كهربائي خطير، خصوصًا في بيئة مليئة بالسوائل.
رابعًا: المخاطر الكيميائية
لا يمكن تجاهل المخاطر الناتجة عن مواد التعقيم، أو سوائل المختبر، أو الغازات الطبية. بعض هذه المواد قد تكون مهيجة أو سامة أو قابلة للاشتعال، والتعرض لها دون تهوية مناسبة أو وسائل حماية قد يؤدي إلى مشاكل صحية فورية أو مزمنة.
الخلاصة
المهندس الطبي يعمل لضمان سلامة المرضى، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب سلامته الشخصية. فالجهاز الذي ينقذ حياة مريض قد يشكّل خطرًا على من يقوم بصيانته إذا تم تجاهل إجراءات السلامة.
المشكلة ليست في نقص المعرفة، بل في الثقافة اليومية: السرعة، التهاون، والاعتياد. ويزداد الأمر تعقيدًا مع غياب سياسات واضحة تدعم المهندس، مثل حق رفض استلام جهاز غير آمن أو قياس الالتزام بالسلامة.