بين السلامة والمصالح التجارية: من يتحكم فعلاً في قرارات صيانة الأجهزة الطبية؟
عندما نراجع الأنظمة واللوائح التي تحكم إدارة الأجهزة الطبية في المستشفيات، نجد أن معظمها مستمدّ — بشكل مباشر أو غير مباشر — من الهيئات والمنظمات الأمريكية مثل (FDA) و(CMS) و(TJC)، التي أصبحت المرجعية الأساسية للسلامة والجودة في القطاع الصحي. أما النسخة الدولية (JCI) فقد حملت هذه المبادئ إلى العالم، لتصبح معيارًا ذهبيًا للاعتماد في المستشفيات داخل منطقتنا أيضًا.
البداية: تعميم CMS عام 2011
في العام 2011، أصدرت (CMS) في أمريكا تعميمًا يُلزم المستشفيات باتباع تعليمات الشركات المصنعة (OEM) حرفيًا في الصيانة والفحص.
الهدف المعلن كان تعزيز السلامة، لكن النتيجة كانت زيادة هائلة في التكاليف التشغيلية، دون دليل واضح على تحسن فعلي في سلامة الأجهزة.
ردود الفعل من مجتمع الهندسة السريرية كانت قوية، إذ أشار الخبراء إلى أن الصيانة المفرطة ليست ضمانًا للأمان — بل قد تُهدر الموارد دون فائدة.
2013: ظهور مساحة أكبر للصيانة البديلة AEM
هذا الضغط قاد (CMS) عام 2013 لإصدار تعميم جديد سمح للمستشفيات بتطبيق الصيانة البديلة للمعدات الطبية (AEM) التي تعتمد على تقييم المخاطر بدلًا من الالتزام الأعمى بتوصيات الشركة المصنعة.
ومع ذلك، استُثنيت أجهزة التصوير والأشعة والليزر من هذا التعديل، بحيث تُلزَم المستشفيات باتّباع تعليمات الصيانة الصادرة من الشركة المصنّعة لهذه الأجهزة دون أي تعديل.
من CMS إلى TJC وJCI
بعد صدور التعميم الجديد، قامت اللجنة المشتركة (TJC) بتحديث معاييرها لتتماشى مع قرارات (CMS)، وبذلك أصبح هذا التوجه جزءًا من معايير الاعتماد الأمريكية.
أما النسخة الدولية (JCI) فقد تبنّت نفس الفلسفة في معاييرها الخاصة بالمستشفيات خارج الولايات المتحدة، لتصبح هذه القواعد المرجعية للمستشفيات الراغبة في الاعتماد الدولي.
دور Medical Imaging & Technology Alliance
في خضم هذا الصراع وهذا الجدل، برز اسم Medical Imaging & Technology Alliance، وهو التحالف الصناعي الذي يمثل الشركات العالمية المصنعة لأجهزة التصوير الطبي مثل GE و Siemens و Philips وغيرها.
حيث مارست MITA ضغطًا قويًا على وزارة الصحة الأمريكية (HHS) عبر الجمعيات المهنية السريرية لتقييد تطبيق برنامج AEM على أجهزة التصوير والأشعة.
وقد نجحت بالفعل: فقد نصّ قرار CMS بوضوح على أن أجهزة التصوير الطبي والليزر يجب أن تُصان فقط وفقًا لتوصيات المصنع، مستثنية بذلك هذه الفئة من المرونة الممنوحة لبقية الأجهزة.
السبب المعلن:
“ضمان سلامة المريض.”
أما الدافع الحقيقي – كما يرى كثير من خبراء المجال – فهو الحفاظ على الإيرادات الضخمة الناتجة عن عقود الصيانة الحصرية للمصنّعين.
هل توصيات الشركة المصنّعة منطقة لا يجوز الاقتراب منها؟
كتبت هذا المقال لأن ما يُعرف بـ "توصيات الشركة المصنّعة" ما زال يُعامل في بيئتنا وكأنه منطقة محرّمة لا يُسمح الاقتراب منها، فالكثيرون يظنون أن هذه التوصيات تمثل الحق المطلق في سلامة الأجهزة، ولا يجوز مناقشتها أو تعديلها.
لكن الواقع العملي يطرح سؤالاً جوهريًا:
لماذا ندفع مبالغ أكبر في عقود الصيانة لمجرد أن الشركة تحدد أربع زيارات سنويًا، بينما يمكن، بناءاً على تقييم هندسي دقيق وسجل أداء الجهاز، الاكتفاء بزيارتين فقط دون أن يتأثر الأمان أو الاعتمادية؟
هنا يأتي دور AEM
هنا يأتي دور مفهوم الصيانة البديلة للمعدات الطبية (AEM) — ليس لتقليل الصيانة، بل لتحسينها؛ ولتحويلها من “توصية جامدة من المصنع” إلى قرار هندسي واعٍ مبني على البيانات، والتحليل، والخبرة.