الجودة والصيانة: لماذا لا يفهم كل طرف الآخر؟ ما تعلمته حين انتقلت من الجودة إلى الصيانة

الكاتبم. خالد زيادة
تاريخ النشر2026-06-20
آخر تحديث2026-09-23

ل وظيفة لي في المملكة العربية السعودية كانت في وحدة الجودة.

كنا نُعِد التقارير الشهرية، ونرصد الأرقام، ونتابع مؤشرات الأداء — وفي كل مرة كنا نرفع تقريراً أو نطالب بتطبيق إجراء، كنا نصطدم بنفس الجدار: فريق الصيانة.

كانت الحجج نفسها تتكرر في كل مرة:

"أنتم لا تفهمون ما يجري في الميدان"

"الأرقام لا تحكي القصة الحقيقية"

"إجراءاتكم تُعطّلنا ولا تُفيدنا"

وكنت في كل مرة أسمع هذا الكلام أقول في نفسي: هذا رفض للتغيير، وهروب من المسؤولية. والأرقام لا تكذب.

بل انه في بعض الاحيان اجد نفسي في غمار مواجهات وصدامات لم أخترها.


ثم جلست على الجانب الآخر من الطاولة

مضت السنوات، وتغيّر المسار.

انتقلت من الجودة إلى عالم الصيانة — ودخلت فيه بعمق، وعشت تفاصيله اليومية.

وفجأة وجدت نفسي على الجانب الآخر من الطاولة.

أنا من يجلس على كرسي المتهم.

أنا من يُطلب منه أن يبرر الأرقام ويدافع عن المؤشرات.

تجد نفسك تشرح لماذا تأخّر هذا الإصلاح، ولماذا لم يُطبَّق ذاك الإجراء.

وكما يقال — انقلب السحر على الساحر 😄.


فهمتهم... لكن الفهم لا يعني التبرير

في تلك اللحظة، تذكرت كل من كانوا يقاومونني — وفهمتهم. لكن الفهم لا يعني التبرير.

فمن جهة أدركت أن جزءاً حقيقياً من هذه المقاومة كان مشروعاً.

كثير من الإجراءات كُتبت بعيداً عن الميدان. وبعض المؤشرات تقيس ما هو سهل القياس لا ما هو مهم فعلاً. وفريق الصيانة في الغالب لم يُشرَك يوماً في بناء هذه الأدوات — فصار يراها مفروضة عليه، ويتعامل مع تقارير التدقيق كأنها محاولة لتصيّد أخطائه لا لتحسين أدائه.

بل إن المشهد يتكشّف بصورة أوضح عند زيارات الاعتماد — يُستنفر الفريق بالكامل، تمتد ساعات العمل، ثم حين تُرفع شهادة الاعتماد يذهب الشكر والتكريم لفريق الجودة، ويعود فريق الصيانة إلى عمله كأن شيئاً لم يكن.


وليست كل المقاومة مبررة

ومن جهة أخرى، رأيت بوضوح أن جزءاً من المقاومة لم يكن له مبرر حقيقي.

فهناك من يعرف أهمية التوثيق ويتهرب منه. وهناك من يفهم قيمة الإجراءات لكنه اعتاد العمل بدونها، فصار الالتزام بها ثقيلاً لا لأنها خاطئة، بل لأن التغيير يحتاج جهداً.


الحلقة المفقودة: الثقة والمشاركة

الحلقة المفقودة إذن لم تكن في طرف واحد — كانت في الثقة والمشاركة معاً.

فحين لا تُبنى الإجراءات والمؤشرات بمشاركة من سيطبّقها، وحين يُستدعى الفريق وقت الحاجة ويُنسى وقت التكريم، وحين يتعامل الميدان مع الالتزام كعبء لا كقيمة — تصبح الفجوة أعمق، والممانعة من الجانبين أشد.


تجربة المجالين غيّرت رؤيتي

أحمد الله أن أتيحت لي فرصة العمل في المجالين.

تجربة الجودة صقلت قدرتي على قراءة البيانات وإعداد التقارير وفهم منطقها. وتجربة الصيانة منحتني عمقاً في فهم الواقع التشغيلي وتعقيداته.

واليوم أزعم أنني أقف في المنتصف — أفهم مخاوف كل طرف، وأدرك أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بالرقابة وحدها ولا بالتشغيل وحده، بل بالشراكة الحقيقية بينهما.

وهذا المنتصف لم يأتِ من قراءة أو دراسة — جاء من أنني عشت الاثنين.

محتوى ذو صلة

← العودة إلى المقالات